في زمن كانت فيه البحار تعج بالسفن، كانت منارة الأسكندرية شعلة تهدي التائهين، بوهجها نهارًا وليلًا.
صمدت هذه المنارة نحو ألف وخمسمائة عام، حتى دمرها زلزال عام 1323م، ثم شُيّدت فوقها قلعة قايتباي عام 1477م.
ورغم اندثارها، ما تزال المنارة حاضرة في وجدان المدينة، حيث نجدها مصورة علي شعار محافظة الأسكندرية،وبعض الجامعات،وعلي جداريات تزين شوارع المدينة.
بعد دخوله مصر عام 332 ق.م، راود الإسكندر الأكبر حلم بشاعره المفضل هوميروس، فألهمه باختيار جزيرة فاروس موقعًا لمدينته الجديدة: الأسكندرية.
رحل الإسكندر قبل أن يتحقق حلمه، لكن خلفاءه من البطالمة أتموا المهمة، وبُنيت المنارة في عهد بطليموس الثاني نحو عام 280 ق.م.
ورغم غزارة الروايات، يبقى وصف الباحث الألماني هيرمان تيرش من أدق ما وصلنا، إذ استند إلى وصف المؤرخين والرحالة العرب.
الأول مربع، بارتفاع ٦٠ مترًا، يضم غرفًا للنوم والتخزين، وعلى سطحه تماثيل ضخمة للإله تريتون.
الثاني مثمن الشكل، بارتفاع ٣٠ مترًا.
والثالث دائري، بارتفاع ١٥ مترًا، محاط بأعمدة وقبة تعلوها تمثال برونزي يُعتقد أنه لبوسيدون، وفي داخله مجمرة تُشعل ليلًا، ومرآة ضخمة تعكس ضوء الشمس نهارًا.
لقد أراد البطالمة من المنارة أن تكون أكثر من مجرد بناء، أرادوها إعلانا عن القوة، ودعاية لقدرتهم علي حماية المدينة.
ولهذا لم يكن غريبا أن تلهم منارات أخري في روما وتركيا لقرون لاحقة.
ورغم أن الزلازل أسقطت المنارة، فإن البحر لم يبتلعها كليًا. فقد بقيت كتلها الحجرية الضخمة وأعمدتها الجرانيتية غارقة عند أطراف جزيرة فاروس، في الموقع نفسه الذي بُنيت فيه قلعة قايتباي بعد قرنين من انهيارها. وعندما قرر السلطان قايتباي تشييد حصنه، استخدم المهندسون بعضًا من حجارة المنارة الأصلية في البناء، فيما ظلّت صخور أخرى في أعماق البحر، شاهدة على عظمة العمارة البطلمية.
وقد وثقت بعثات أثرية حديثة بقيادة الأثري الفرنسي جان إيف إمبرور،مئات القطع الغارقة في قاع الميناء الشرقي، من بينها أعمدة ضخمة، وكتل حجرية يصل وزن بعضها الي أكثر من أربعين طنا، يعتقد أنها بقايا المنارة العظيمة التي خلدتها كتب الإغريق والرحالة العرب.